الخميس، 9 نوفمبر، 2017

حتى كأنه خردة ..








 لا أعرف من ستخرج الحرب من رأسي ؟ ومتى ستغادر ذكرياتي ؟ ومتى سيعتصرها الفرح حتى تنكمش ، تقول لي صديقتي سارة : إذا حدث و انكمشت الحرب  ، فسوف تتحول أمعاؤها لوحش جائع ، لا يُبقي ولا يذر !


 ربما قرأت  سارة عن نظرية التشاؤم لمالتوس ، وقررت أنَّ الحروب شر لابد منه ، للحفاظ على توازن السكان ، وتوازن العقول  .

 و من شدة رفق الله  بنا أخذ الحروب في نزهة قصيرة بين حين وآخر ، فاسترحنا  من صوت رصاصها ، ومن مقت ساستها ، ومن تذمرهم ..  

 ذات نزهةٍ  صرخت سارة  مشدوهة ، وهي تلقي بلوح الشكولا التي أعشق :  جارنا السياسي يزور محلا للزهور !??

شكَّل هذا الخبر صدمة كبيرة لي ، وتصورت جارنا السياسي وهو يغازل زوجته ، ويلاطف بناته ، و يقدم لهن الورد ، برائحة الدماء التي اقترفتها يداه ، في حق المدنيين بمدينتي !

لا أعلم لي ملتجأ ، ولا ملاذا سوى ألبوم لصور قديمة ،  كي أهرب من صوت النازح الذي بدأ صباحه قسماً على زوجته بيمين الطلاق ،  ومن الهراء السياسي الذي يصدح من قنوات الراديو ، و العصابات التي تقودنا نحو البراري ، والمحميات الأممية !

في هذه   البلاد لم يعد يوجد وقت للحب ، ووقت للحديث عن أشياء جميلة ، أغلب الذين عرفتهم في حينا’ وفي شارعنا التهمتهم قذيفة في غمضة عين ، فذهبوا بلمح البصر ، صاحب محل البقالة ، وثلة من الأطفال ، و بعض الشيوخ الذين كانوا يباركون خبز أيامنا بدعائهم لنا ، لا يوجد وقت للحديث عن زواج ، أو حفل خطوبة ، أو حتى مقلب  يحصل لصديق تُحدث به صديقا آخر  ، ولسوء الحظ ، أصبحت ذاكرتنا مبتورة ، و أجزاء منها مقطوعة ، صارت كل ذكرياتنا غير مكتملة ، يغيب فيها شخص ، أو حبيب ، أو ابن ، أو صديق ، أو جار ، بل أنَّ المواقف اليومية لم تعد سوى فيلم بألوان الأبيض والأسود .....امتص الحزن  كل الألوان  الأخرى لحياتنا  ، فأصبح وجهه قديما ومتآكلا ..حتى كأنه خردة !
ـــــــ 
سرد مفتوح

الخميس، 2 نوفمبر، 2017

رواية سفر الريح ، لعزة رجب سمهود.



صدور رواية سفر الريح ، لعزة رجب سمهود.



في أول أعمالها الروائية تقدم الكاتبة الليبية/ عزة رجب سفر الريح كرواية طويلة ، الصادرة عن دار الغراب 2017 ، لتتنوع فصولها السردية ، وتأخذك لعوالم آخاذة ، جمعت بين سحر الأسلوب ، وعمق الكتابة ، و السرد الشائق المحمل برائحة التأريخ ، والألم ، وحكاية شعب تاه عبر مسارب السنين ، منذ الاحتلال الأيطالي لليبيا ، إلى محاولته للتغيير عام 2011 ، تختار الشاعرة الروائية أبطالها بطريقة مثيرة للاستكشاف ، فتنقلنا شخصياتها بين إناث التائهة مع قصصها ، وبحثها عن حريتها ، والمتفاعلة مع قضاياها كمرأة ، وبين سمر البطلة والساردة لقصة بيللو ، الذي هو زوجها في حقيقة الرواية ، تجمع عزة سمهود أفكارها في روايتن ظاهرتين دون خفاء ، تنقلنا بين الأبطال ، ورحلة عذابهم الطويلة في أيام المملكة ، و حرب تشاد ، والربيع العربي ، من خلال استخدامها لتقنيات حديثة في الرواية ، وبمهارة وسلاسة ومتعة في السرد الذي أضافت إليه من خيالها الخصيب شخصيات تنبع من إرهاصات العقل الباطن للبطل عمر القاسم ...
تبدو سفر الريح رواية من النوع الذي يعري القشور الاجتماعية والارهاصات الثورية بكل قبحها ، وتعنتها وفجورها ، بجرأة في الطرح ، وسرعة تنقل بين الأزمنة والأماكن دون أن تشعر أنك تقرأ رواية .
يقول الدكتور يسري عبد الغني عن سفر الريح :عزة سمهود كاتبة تعي أن فن القصة أصبح لونًا فنيًّا يجب أن نراعي قواعده وأصوله، ومن هنا جعلت روايتها ميدانًا خاصًّا خصبًا لوصف تاريخ ليبيا، جامعةً بين الماضي والحاضر في صور مختلفة، فقرأنا معها الخير والشر، الكفاح والحب، البغض والوفاء، مشكلاتنا بوصفنا مجتمعًا عربيًّا، أشخاص وأشخاص يعكسون على مرآتهم صور الحياة التي تعبر عن هذه المشكلات. الكاتبة نجحت في أن توظف مادة عملها القصصي بمصادره المختلفة في التعبير عن فكرها أو ما تريد أن توصله إلى الناس، كل ذلك بعرض الحوادث والمواقف، والشخوص التي تتعرض للمواقف والأحداث، والبناء السردي بما يشمله من حوار ووصف عبر الزمان والمكان والفكر والمغزى.
​وشخوصها سواء أكانت أساسية أم ثانوية تنجح في أن تضفي عليها البعد الظاهري المتمثل في التكوين الجسدي والملامح البارزة في الشخصية، وكذلك البعد الباطني المتمثل في التكوين النفسي والطبائع المميزة للشخوص التي نعيش معها عبر العمل الإبداعي . ​والرواية التي معنا يمكن أن نجعلها من الروايات التي تجمع بين الرومانسية والواقعية والاجتماعية والوثائقية.
في الوقت نفسه الذي تنجح فيه المؤلفة أن تستخدم وسائل وتكنيكات روائية عديدة، مثل القطع، وتيار الوعي، والمنولوجات والديولوجات . ​أما بالنسبة للغة فلغتها واضحة سهلة مفهومة، لغة تبعد عن التعقيد أو الغموض، وحتى وإن وردت في سياقها بعض الكلمات العامية فهي مفهومة وغير مستهجنة، وقد نجحت في أن تستخدم الدلالات اللغوية بكل ما فيها من إيحاءات لتعكس ما تريد من فكر خلالها، أضِفْ إلى ذلك قدرتها على رسم لوحات تعبيرية تجمع في ذكاء بين أشكال اللون والصوت والحركة .
هذه كلمة عابرة أردتُ أن أكتبها للمبدعة الأستاذة / عزة سمهود عن روايتها الممتعة المهمة (سفر الريح )، التي تمتلك مقومات الفن الروائي وأصوله في زمن تجاهَلَ فيه العديد ممن يتصدون للفن الروائي كل قيم الفن الروائي ومفاهيمه، والذي نحذر أننا لو استسهلنا الأمر وظللنا في حالة الفوضى الروائية هذه، فإن ذلك سيؤثر - دون شك - بالسلب في مستقبل فن الرواية ، تحيةً إلى المبدعة التي تمتلك أدواتها الفنية الأستاذة :عزة سمهود، وفي انتظار العديد من الأعمال القادمة لها 

الخميس، 29 يونيو، 2017

ماذا فعلت بك الحرب يا بنغازي ؟









في الليل يتشرد إحساسي مني، يتجول بين أمم من الركام، وبقايا البيوت، بنايات طواها الغياب، وبنايات خرَّت من حنينها لأهلها، فسقطت مغشيا عليها من البكاء، جدران تهالكت من صدمات الرصاص، وجدران تحملت أوزار الكتابات، والشعارات العابرة فوق جسدها، لتقول حكاية المنسي الذي عبر من هنا...

يالهذا الليل الذي يطويك يا بنغازي، يالهذا الهول الذي تحملينه فوق أكتاف أهلك، يطوي سبخات الملح في قلبي، ويملأني  بأصباغ بياضها، لأرتل حنين هذه الوجوه التي أعتقها الحنين من طول الانتظار، فأخلى سبيلها من الأسر، ومن طول الشوق، ومن كأس الصبر، وجعلها كأسراب الطيور، تبحث عن ملاذها وعشها، من أجل أن تهبها رواية العشق عيون إلزا في معارج اغتراب الروح، ومنازل الاعتزال لحبيبة القلب...

ماذا فعل بك الليل، وبهذه البنايات التي وهبت قلبها للميناء، تطل على وجهه كل صباح من أجل هسيس حكايات الصبية، والصبيات، وتسترق الأسماع لهمس أعمدة الإنارة المتناثرة هنا وهناك، فكأن كاهل البحر كاهلي، وكأن هذه الشواطئ المغمورة بين كثبان الرمل هي قصص و حكايات لأمم  من الموج ذابت عند أول حلم رملي ..وكأن مرود الكحل أبى عيون الصبايا  بعدما تكحَّل ببياض حزنك، و كأني نسيت وجه حبيبي الغائب وراء أمم السحاب، فآثرت شكواك، و اخترت حزنك لأعجنه بتوحدي في شرنقة العتاب.
ماذا فعلت بك الحرب، وأين الشارع الذي كان يتلقاني برحابة صدره؟ أين أعمدة الإنارة التي كنت أبثها حديثي، أين رائحة النيهوم التي كانت تجذبني من بيتي، لأتوسط خصرك يا بنغازي، أين أحمد رفيق، و أين روح محمد الشلطامي،  أين ضحكات الفارهين بأرواحهم، والفارهات  بضحكاتهن ، الشاعرات والمشاكسين بأقلامهم، حين يعبرون خاصرة الميناء قبالة المنار... أين النورس ولماذا عمَّد أجنحته في طي الغياب، و تناسل مع أوجاع عامود الدخان المتصاعد من سمائك، كمدخنة حزينة...

ماذا فعلت بك يد الغدر، ونوايا المكر، وكيف غاب أنينك طي الركام، ماذا فعلوا بوجهك الأبيض، وكيف سرقوا الكحل من جفنيك، ولماذا كل هذا العجين المتكور من الأنين، تلال ألم تأكل طيبة محياك، وأطرافك المُعفرة برائحة الحناء؟؟؟

خطفت الحرب وجهك، وخبأت ضحكاتك في جوف الماء الضاحل، سرقت عطرك، وامتدت بوحشية لوردك البلدي شبابك، نالت من واجهتك، وثقافتك، وهويتك، لكنك بكل روح تعفرتْ بالملح، وبكل عدد سبخاتك ماز لت  بذات البياض، وذات الطعم، وذات المذاق، وذات النكهة، وذات البن، وذات القهوة.., مذاقات  ضائعة بين المكتبات، ورحاب سوق الحوت، وعالم سوق الجريد، وعطر البحر ينساب نثيثا من يسراك، وواجهة شمالك يا ماء الروح، وزيت سراجنا، و هواء حياتنا...

الليل فيك  تفاحة تقضمها الحرب من أطراف البحر، تغني أغنيتها على خصرك ، تسحب الوله والحب من عيون الفتية، لتضخَّ رماد أجسادهم وقوداً لوقاحة الرصاص، وأنين الموت، ورتم الحزن الذي يأنف مغادرة أوردتك...

مازلت تتسربين في روحي كالماء، تمتدين كأوردة البحر في جسدي، كما يفعل الصابري، والشابي، وجليانة، والسكابلي، شرايين أتعايش بها من تحت هضاب السبخات الممتدة  فوق ملامحك العتيقة، الصافية صفاء الملح ..النقية نقاء الماء...
ما زلت ذلك المزيج المجنون، العالق في متعة  الشبق والنسكافيه، ما زلت ذلك المذاق من الهوس والشغف، من الإلهام المتشاسع  في باحاتك العتيقة، ومآذنك الشامخة، وردهاتك صاحبة أطول رواية في تاريخ التمرد والشجاعة... سيدة الصباحات الليبية ..ملكة الأبدية في مواويل عشقنا الليبي الطويل...

يا الله...
خذ قلبي وهبها الحياة، خذ مني حلما بلقيا حبيبي، وامنحه لبنغازي حبيبة الكل، خذ مُنى حياتي، وكُفَّ عنها قطعان الذئاب التي أُطلقت ورائها  فعبرت ليل المدن لتجعل ليلنا يكبر في بنغازي، خذ منا أحلامنا، وما تيسر من هذيان أقلامنا، خذ ملحنا، ودقيق أيامنا، وزيت أفراحنا، ورائحة ذكرياتنا، ولا تحفل بمذاق دموعنا، فنحن نستدر نكهة الحياة من بياضها...
عبير الورد
15/06/2017

الثلاثاء، 27 يونيو، 2017

وحده النهر يفهمني






النهرُ الذي وهبني كتفيه
لأسند برأسي عليهما
كان وحيدا مثلي 
كشجرةٍ حافية في الخلاء  
يفتحُ عينيه لبياض اللوز
و يغزو بضحكاته الموجة 
التي تعرت ْ له   
فيما مضى كنتُ حبيبةَ لنورس
يجب أن أقول عنه حبيبي
أتذكرُ السلو
الذي رقصناه للنهر تلك الليلة 
كان بطعم البوظة الشتوية 
قال لي : لو رقصنا زوربا  
وجعلنا ألمنا سواء 
مثل مشمشة مجففة 
لكنا نورسين يضمان حزن 
المدينة بين جناحيهما
لكنه نسى أنَّ قدمه مبتورة 
مثل مقطع سعيد في رواية سوداوية 
نسي أنَّ البلاد التي نقيم فيها 
تحشو القطن في أفواهنا
تخاطبنا بلهجات الرصاص
و تجعل صباحاتنا 
كصافرة قطار قديمة ومتآكلة  
النهرُ الذي وهبني كتفيه لأبكي عليهما
يعلم أنني بريئة من تهمة الدخان
الذي يأكل البياض من قلب المنارة 
ويتركُ في روحي صرخة باسم
من غادرني  
للملح والماء  
باسم من جعل فرحي طائراً مهاجرا 
في كل سماء
باسم كافكا وهو يكتب كوابيسه 
باسم آنا أخماتوفا وسجائرها النافقة 
باسم بورخيس و أفكاره المتطرفة  
باسم القبلات التي يرميها النهر 
 في جوف البحر ويمضي

الأربعاء، 31 مايو، 2017

هذه البلاد تشبهنا








في هذه البلاد الممزوجة برائحة حزني
ارتأيتُ أن أطفيء النور 
و أسحب أنفاس الهواء إلى صدري 
حين تلمع عيناي بالدمع
وينصب الظلام خيامه البدائية فوق رأسي
ليس لدي ما أفعله ...
سوى أن أبتلع الجمل المتعثرة 
بحظوظ الحرب والرصاص ...
نسينا طعم الحب والأشياء الجميلة 
أحاديث الصباح التي تضج في البيوت 
 و مذاق الكعك الليبي ، ومزاجنا الضاحك 
لم يعد يهم أن نقول لبعضنا صباح الخير 
بعمق كبير.....
وكما لون الحليب الممزوج بلذة القهوة 
ربما المهم الآن هو تقشير الملل ...
ومتابعة مسلسل تركي من عدة أجزاء 
ريثما تنتهي حروبنا المقيتة ....
وتكفُّ ليبيا عن البكاء ...
في هذه البلاد التي تشبهنا جميعا 
تمنيت أن يشهق البحر موجتين في وجهي 
ويغسلني بملوحته حتى أتحول لسبخة 
تدفن أحزانها في بياض ملحها ....




الأحد، 7 مايو، 2017

خبزٌ و دانتيل








أنا في المخيم  
أُهدي فتاةً تاورغية 
شرائط من الدانتيلا 
لشعرها المنكوش 
لا شيء هنا يُعجبني  
الوجوه المتهدلةِ من الحزنِ
 العجائز اللاتي يأكلُهنَّ الصمتُ 
والرجلُ الذي فقد ظله 
انزوى وحيداً في الخلاء
ما ضرهم لو كانوا في بيوتهم ؟
كان يُمكننا أن نواصل حبنا 
لبعضنا,,,  
.. دون أن نتذوقَ مرارة التهجير 
وكنتُ سأكون سعيدة  
بشرائط الدانتيل التي أهديتها
لو لم تطلبْ مِنِّي الفتياتُ 
أن أجلب بدلاً عنها خبز اً
  ومربى...

الخميس، 4 مايو، 2017

قرطي صديقي








قرطي القديم ....
الذي اشتريته بمناسبة عيد الحب 
أنزوى وحيدا في العلبة 
كان يحبُّ الظهور مع فستاني الأحمر
المطرز بحواشي الدانتيل
يتمايل مع خطواتي في رقصة 
زوربـــا ....
هو فخور بصديقة مثلي ...
تتذكره من بين أكسسوارتها الجديدة
تعلقه في أذنيها ...
و تخبره عن بيتها الذي لايطرق
 بابه أحد .....