الخميس، 23 فبراير، 2017

ساعة ممتلئة







 أُعيدُ ترتيب الوقت ، أعتقلُ ساعات الفرح الهاربة مني ، كان بندول الزمن كعادته يمارسُ تأرجحه في متاهاته ، و دوائره ، وكلما دقَّ قلب الساعة ، و وقفتْ على ساقٍ واحدة ٍ ، جاء قطار الحياة مكتظاً بالمواعيد ، محملاً بأمنيات أرواح تعبر شيخوخة الأرصفة ، من أجل احتمالات اللقاء



وحــدهُ اللــقاء يقتــلُ جُثة الانتظـــار عندما يُداهمــه الوقت

الساعة ُ تغمرُ في حضنها الزمن  
الزمنُ دائرةٌ تدور حول خصر الساعة 
الاثنان ليلٌ ونهارٌ 
صباحٌ ومساءٌ
شمسٌ وقمرٌ
 عاشقان لنا ، يتقابلان ، ولكن لا يتلامســان


 في عيون الوقت نسيتُ مواعيدي ، حكاياتي المؤجلة ، روايــــتي التي لم تمسَّها شمسٌ ، ولم تر النور ، عششت أفكاري هناك ، بنيتُ بيتاً لأحلامي ، فنسيتُ أصابعي في عش أبيض  

لم يسألني قطار المسافة عن اسمــي ، فالمســافة لا تهمها الأسماء ، ولا تنظر للوجوه  
المسافهُ يهمها أن تهبَ قلبها للانتظــار  
 الانتظار الذي يقطع صمت المحطات بصافرة القدوم  !



الأربعاء، 8 فبراير، 2017

الجندي







تهطل ذاكرتي بصور مباغثة

أحشو بها ...
ثقوب أوزون الوقت 
الذي توقف فجأة عن الدوران 
في ليبيا 
باتجاه غرينتش ...
ذلك الخط الذي يشقنا
إلى نصفين 
نصفٌ مهمته زراعة بذور الشر
في مسام المدن الطيبة 
ونصفٌ...
كلما نمت فيه بذرة سوداء 
حصدتْ روحا تضحك ــــــــ !
تهطلُ ذاكراتي ...
وحقول حنيني جافة 
لا ترويها إلا صور يحبها 
مطر هذه المدن 
صورٌ ..
تجعلني أعيد استنبات 
بذور روحي 
فوق خرائب المدن الصاعدة 
كصورة ذلك الجندي 
التي أزهرت فجأة في قلبي
وحررتني ....
 من سجونهم السرية .


الجمعة، 3 فبراير، 2017

القلم في يدك








اكتبني فصلا في رواية المنسي 

أو فيلم ذهب مع الريح
أو حتى خرج ولم يعد ...

اكتبني هامشا ...
يسرد تفاصيل ضائعة عني 
في روايتك الطويلة 
فأنا أعشق بقايا الصفحات
المبتورة من كل تاريخ
و أنا الرسالة المهملة التي 
أندست بصمت في صندوق (السبام)
كي لايطالها تأويل الزمن 
لمعاني الانتظار الجليلة

اكتبني معنى لمفردة تائهة 
عن نظام السطر 
أو لتعريف سردي طويل 
عن حداثة المفاهيم 
في زمن تحوَّل النكرات 
 لأحوال تسيدت زمام أمورنا ...

السبت، 21 يناير، 2017

أنين







من صفيح ذاكرة متعبة 
تطويني طرابلس 
ورقةً وراء ورقةٍ ...
أعبرُ أزقة ليلها الشارد 
مِنْ عواء الكلاب 
مَنْ سرق ابتسامات 
المدينة المستلقية 
في كفِّ البحر ؟؟
وكيف عمَّد النورس
 أجنحته في طي الغياب ؟!

دون طرابلس النوافذ والأبواب





من رعشات قلب 
شقَّ عليه فراقها ...
غاب جسر المسافة 
عن عيون المدن الضائعة 
وغُلِّقتْ دون طرابلس 
النوافذ والأبواب
كان صوت النازية الحداثية 
يرطنُ و يزمجر بين الأحياء 
يخطفُ ضوء النهار 
من محياها ...
 و يقتلُ فيها أعشاش الحياة ....

خسرنا بعض







لقاؤنا العابر
سلامنا البارد...
التوقيت الذي تقيأ أحمال المسافة 
مخاض بلادنا المتعسر 
وكلمات أخرى ...
هربت مني ومنك 
من زمن اللا شرعية 
و لغة الحوارالتي لا تروب 
رعشاتنا تبددتْ أطرافها 
في شتات العتاب 
في غصَّات كل ليبي 
قلبه معجون بالألم ...
كانت الريح تعوي 
 والزمن زمن الكلاب .....


الأحد، 15 يناير، 2017

رسائلي المسجاة على أرصفة البوح







 لدي غيوم من  الأسئلة ، لأُمطر بها  قلبي ، و أحشوها في وسادتي ، ثم أجعلها تستغرق في السبات بانتظار سياسي يخرج إلينا على الهواء ليجيب عنها ، لكني  في الصباح ــ وبينما أتصفح القنوات الليبية  أتعثر بظلي ، و أتذكرهم بوجوههم المخلوعة  عن الشعور بنا ، أقددُ الإجابات على مقاسي الصغير ، في حيلة مني للهروب الكبير إلى الشارع ، إنه الهروب من الخيال والوهم السياسي ، إلى واقعية الشارع ، إلى فانتازيا الشعب ، ودراما الحياة اليومية ، إلى طوابير مملة  كالأسئلة الطويلة ، المعبأة بالتوق ، والانتظار ،  إلى طوابير الخبز ، و طوابير البنزين ،  طوابير المصارف ، وطوابير الكيروسين ،  طوابير النازحين ، وطوابير المهجرين ،  طوابير المسافرين ،و طوابير فاقدي الأطراف  وطوابير المقبرة  ،الترجمة  الواقعية لنتائج  الأوليغارشيات التي تحكمنا ، الطوائف الفكرية  التي استمرأت بشراسة ، وتمددت تمدد  داعش في بقع النور ...

لا أريد النوستالجيون في هذا التوقيت بالذات ، لأني لا أحن إلى عصور جهلي ، ولا إلى التواريخ الراقدة تحت التراب  ،لا أحن إلى التسميات ، والقبور ، ولا إلى تغيير العلم ، والنشيد ، أنا أحنُّ إلى حاضر مسالم ، متصالح مع نفسه ، أحنُّ إلى وطن يحتويني مع غيري ، أقبل به ويقبل بي ، لكنه لايلفظني نحو شواطيء غربة  سئمت من الإبحار إليها .

لدي أرشيف اسمه عبير الورد ، يدندن رسائل الحب ، ويوثق  كلمات الحرب ، يفتح نوافذ النور ، ويغلق أبواب الظلام ، كلما شرعتُ بفتح إحداها انبثق طائر عنقاء ، و خرجت  غيمة من سجون سرنا ،  فسافرت  حرة طليقة ، فوق هذه السفوح ، والهضاب ، والجبال ، لتمطر الحب ، وتكتب الآم  القلوب المتعبة ، التي أخذها الليل ، وليمة لأحزانه ، ليكفكف بها دموع وحدته ، وشراسة ظلمته .

 عبير التي عشقت  عيون الورد ، اجتاحتْ مسافات الليل الذي تقيأ كل شيء ، متخليا عن السبات ، والنوم ، والراحة ، والنجوم النائمة بين كفيه ، ترك القمر يتهجد لوحده قيام السماء ، وهالي يبحث عن مكان  الجوزاء ، لعله يصيب منها ضربة حظ ، تضع أعشاش الطيور المهاجرة بين كفيه ..

الليل والنهار وليبيا ، رحلة الله المستدامة في كوننا الصغير ، كلما خلخل الوجود ليبيا ، تخلخل السكون في العالم ، وتغيرت إحداثيات السماء من أجلها ، كلما صبَّوا في قلبي اليأس والبأس أشرق صباحي على صبي يلعب قرب بابنا ويغني نشيد الاستقلال : إننا يا ليبيا لن نخذلك .
و لن يخذل الله ليبيا الراكعة في محراب عبادته ، والمتوازنة في سلوكها العقائدي ، والصائمة متى صعد حجيجه ــ جلَّ وتعالى علاه ــ إلى عرفة ، لن يتخلى الله عن ليبيا ذات الوجه الصبوح ، والروح الودود ، الرحيمة ، المحبة للمصطفى ، العابدة ، الساجدة ، الراكعة له وحده وليس لسواه .

أستمرأت رحلتي مع عبير الفاتنة ، حتى بدوت طفلة ، تغزل على منوال الحب كلماتها ، وتتخيل حبيبا يصعد قلبها ، و يتسلق على  شعرها ، ليصل إلى النافذة ، ويقبل يدها التي خطَّت الورد ، ونثرت أوراق الجوري ، و تركت رائحته كأريج وسمعة ليبيا ، منذ عبور هيرودوت ، وحتى استحضار أرواح الفلاسفة في رسائلها ، هايدغر ، وأفلاطون ، و هيغل ، و أرسطو ، و سقراط ، و سوارين كيركجارد ، وبول ريكور الذي جعلني أعيد ترتيب أوراقي الثبوتية .

لقلبك البعيد الغريب كل السمو ، والنبل ، رذاذ الورد ، ورائحة الياسمين ، ونباتات العتمة التي عرفتها من خلال قراءتي لنصوصك السردية ومقولاتك الفلسفية ، عرفتك كيف صادقتَ أشياء المكان ، وأكتشفت في روحك مفهوم الاغتراب حين يعزلنا الزمن عن مكونات المكان ، ويتركنا نتوحد مع لغة الظِلال ، ولغة الجدران ، نتذوق وبال الفقد ، ثم نكتب ونمضي بالدواة والقلم ، وكأن فلسفة الوجود ، تترجم الزمن في السرد ، وهو ماتبقَّى من بقايانا ، في هياكل اللغة ، اللغة الكائن الهلامي الذي يعيش فينا ، اللغة التي تقولنا ، تتكلم قلوبنا ، عقولنا ، هلام الروح يا ريكور ..كنتُ قرأتها في كلامك ، وتركت التأويلية تفسرني ، تفسر العالم في مواجهة النَّص ، حتى تحولتُ لكائن إيكولوجي ، يصادق الجمادات ، ويؤنسن نافذته ، وكتابه ، وكرسيه ، وفناجين قهوته ... 

و إذ أسرد الجزء المتبقي من وجعي في هذا الجزء ، أستعيد أنفاس الورد في روحي ، و أغادر لأجزاء روائية تتسع لها مخيلتي ،  أبادر إلى وطن أحبه حتى بلغ مني العشق مبلغه ، كان حبيبي في نصوصي ، وكان قصائدي المسجاة على أرصفة البوح ، كان نافذتي نحو عالم جميل أرنو إليه ، كان ندائي الأول والأخير ، يسمعني ، ويوميء لي بالإيجاب ، الأوطان لا تخذل من يحبها ، و لاتتخلى عن أحلامها للعابرين فوق أوجاعها ، الأوطان التي دخلت غرف الانعاش عادت إليها الحياة ، وعاشت ، وهبها أكسجين الحب فرصتها ، وهانحن أولاء نهب ليبيا كل مالدينا ، وقتنا ، وحبنا ، وقلوبنا ، نهبها العمر ، والسمعة ، العقل ، والقلب ، وديمومة الحياة ، نحن الذين سنموت ، لكن المدن والشعوب لاتموت ...